ابن قيم الجوزية

158

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وهو مفرط ، أمره إلى اللّه . ومتى هجم عليه بغير استدعاء ، وغلب عليه - مع مدافعته له - خشية إضاعة الحق . فهذا معذور . وليس بكامل في حاله . بل الكمال وراء ذلك . وهو الانتقال عن وادي الجمع والفناء ، والخروج عنه إلى أودية الفرق الثاني والبقاء . فالشأن كل الشأن فيه . وهو الذي كان ينادي عليه شيخ الطائفة على الإطلاق الجنيد بن محمد رحمه اللّه . ووقع بينه وبين أصحاب هذا الجمع والفناء ما وقع لأجله ، فهجرهم وحذّر منهم ، وقال : عليكم بالفرق الثاني . فإن الفرق فرقان . الفرق الأول : وهو النفسي الطبيعي المذموم . وليس الشأن في الخروج منه إلى الجمع والفناء في توحيد الربوبية والحقيقة الكونية . بل الشأن في شهود هذا الجمع واستصحابه في الفرق الثاني ، وهو الحقيقة الدينية . ومن لم يتسع قلبه لذلك فليترك جمعه وفناءه تحت قدمه ، ولينبذه وراء ظهره ، مشتغلا بالفرق الثاني . والكمال أيضا وراء ذلك ، وهو شهود الجمع في الفرق ، والكثرة في الوحدة ، وتحكيم الحقيقة الدينية على الحقيقة الكونية . فهذا حال العارفين الكمل : يسقى ويشرب ، لا تلهيه سكرته * عن النديم . ولا يلهو عن الكاس « إني لأسمع بكاء الصبي ، وأنا في الصلاة . فأتجوز فيها ، كراهة أن أشق على أمه » وكان صلى اللّه عليه وسلم في صلاته واشتغاله باللّه وإقباله عليه يشعر بعائشة إذا استفتحت الباب . فيمشي خطوات يفتح لها ثم يرجع إلى مصلاه . و « ذكر في صلاته تبرا كان عنده ، فصلى . ثم قام مسرعا فقسمه . وعاد إلى مجلسه » فلم تشغله جمعيته العظمى - التي لا يدرك لها من بعده رائحة - عن هذه الجزئيات . صلوات اللّه وسلامه عليه . ومنهم : من يتمكن الإيمان والعلم من قلبه . فإذا جاء الأمر قام إليه ، وبادر بجمعيته . فإن صحبته وإلا طرحها ، وبادر إلى الأمر . وعلم أنه لا يسعه غير ذلك ، وأن الجمعية فضل ، والأمر فرض . ومن ضيع الفروض للفضول ، حيل بينه وبين الوصول . لكن إذا جاءت المندوبات ، التي هي محل الأرباح والمكاسب العظيمة ، والمصالح الراجحة - من عيادة المريض ، واتباع الجنازة ، والجهاد المستحب ، وطلب العلم النافع ، والخلطة التي ينتفع بها وينفع غيره . ولم يؤثرها على جمعيته . إذا رأى جمعيته خيرا له وأنفع منها - فهذا غير آثم ولا مفرط إلا إذا تركها رغبة عنها بالكلية ، واستبدالا بالجمعية . فهذا ناقص . أما إذا قام بها أحيانا وتركها أحيانا لاشتغاله بجمعيته : فهذا غير مذموم . بل هذا حقيقة الاعتكاف المشروع . وهو جمعية العبد على ربه وخلوته به . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم « يحتجر بحصير في المسجد في اعتكافه ، يخلو به مع ربه عزّ وجلّ » ولم يكن يشتغل بتعليم الصحابة وتذكيرهم في تلك الحال . ولهذا كان المشهور من مذهب أحمد وغيره : أنه لا يستحب للمعتكف إقراء القرآن والعلم . وخلوته للذكر والعبادة أفضل له . واحتجوا بفعل النبي صلى اللّه عليه وسلم . وأكمل من هؤلاء : من إذا جاءه تفرقة الأمر ، ورآها أرجح من مصلحة الجمعية ، ولم يمكنه الجمع في التفرقة : اشترى الفاضل بالمفضول ، والراجح بالمرجوح . فإذا كان المندوب مفضولا مرجوحا ، والجمع خيرا منه : اشتغل بالجمع عنه . فهذا أعلى الأقسام . والرجل كل الرجل من يردّ من تفرقته على جمعه ، ومن جمعه على تفرقته . فيقوّي كل واحد منهما بالآخر . ولا يلغي الحرب بينهما . فإذا جاءت تفرقة الأمر جدّ فيها وقام بها لجمعيته ، مقويا لها بالأمر . فإذا جاءت